الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
53
مختصر الامثل
ففي ذلك اليوم تنفصم العرى وتنفصل عن البشر كل الإنشدادات المادية والمعبودات الخيالية المصطنعة وجميع ما اصطنعوه لأنفسهم في الحياة الدنيا ليكون سنداً لهم يستعينون به في يوم بؤسهم حيث لا يبقى سوى الشخص وعمله ، ويزول كل ما عدا ذلك ، أو يضل عنهم بحسب تعبير القرآن ، وهو تعبير جميل يوحي بأنّ الشركاء سيكونون إلى درجة من الصغر والحقارة والضياع بحيث إنّهم لا يُروا بالعين . إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) مرّة أخرى يوجّه القرآن الخطاب إلى المشركين ، ويشرح لهم دلائل التوحيد في عبارات جذّابة وفي نماذج حيّة من أسرار الكون ونظام الخلق وعجائبه . في الآية الأولى يشير إلى ثلاثة أنواع من عجائب الأرض ، وفي الآية الثانية يشير إلى ثلاثة من الظواهر السماوية . يقول القرآن الكريم أوّلًا : « إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنَّوَى » . « الفلق » : شقّ الشيء وإبانة بعضه عن بعض . و « الحب » و « الحبة » : تقال لأنواع الحبوب الغذائية كالحنطة والشعير ونحوهما من المطعومات التي تحصد ، كما يقال ذلك لبروز الرياحين أيضاً . و « النوى » : من النّواة . وممّا يلفت الانتباه أنّ الحبّة والنّواة غالباً ما تكونان صلبتين ، فنظرة إلى نوى التمر والخوخ وأمثالهما ، وإلى بعض الحبوب الصلبة ، تكشف لنا أنّ تلك النطفة الحياتية التي هي في الواقع صغيرة ، محصنة بقلعة مستحكمة تحيط بها من كل جانب ، وأنّ يد الخالق قد أعطت لهذه القلعة العصية على الإختراق خاصية التسليم والليونة أمام إختراق نطفة النبات ، كما منحت النطفة قوة اندفاع تُمكّنها من فلق جدران قلعتها فتطلع النبتة بقامتها المديدة ، هذه حقّاً حادثة عجيبة في عالم النبات لذلك يشير إليها القرآن على أنّها من دلائل التوحيد . ثم يقول : « يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيّتِ مِنَ الْحَىّ » . إنّ موضوع الحياة والموت بالنسبة للكائنات الحيّة من أعقد المسائل التي لم تستطيع العلوم البشرية الوصول إلى كنه حقيقتها ورفع الستار عن أسرارها لتخطو إلى أعماق